| |
بسم الله الرحمن
الرحيم
العودة
و يصل رحمه الله تعالى دمشق الشام عام
1314هـ , و قد سبقته شهرته و تقدمه صيته, و كيف لا و قد مكث قريباً من ثلاثين
سنة كان في القسم الأكبر منها عالماً مدرساً في الأزهر, قبلة الطلاب , وكعبة
العلماء, و ما اكثر الشاميين الذين درسوا على يديه, و تعلموا في حلقته, ثم آبو
إلى ديارهم, عامرة بالإبمان قلوبهم, طافحة بالعلم صدورهم, يتحدثون عن شيخهم
فيطيلون الحديث, و يشيدون بذكره ما طابت لهم الإشادة. يصل الشام ليلقى أعلامها
قد خفوا لاستقبالها و على رأسهم محدث الشام و بقية السلف الصالح علامة عصره
الشيخ محمد بدر الدين الحسني رحمه الله تعالى, و يرحب به و يزيد في الترحاب
طالباً منه أن يقيم في دمشق, ينفع الناس , و يبث ما أودعه الله إياه, مكملاً
كلامه(( القرى لا تسع علمك)), و لكن غاية الشيخ غير هذا, و ما لهذا آب , فيرد
بأدب((و لكني رجعت لأنفع أهل بلدي)) و يتابع طريقه إلى ديرعطية بلده, بعد
الفراق المديد , و النأي المتصل, ليجد في استقباله أهلها, كبيرهم وصغيرهم على
حد سواء, ولكنه يجد في استقباله شيئاً آخر, ندب له نفسه , و أعدها من أجله, مذ
غادرت أقدامه أرض مصر, ذلك ما قدر الله تعالى له أن يعيش حياته من أجله, ألا
وهو إرسال النور في ظلمات بعضها فوق بعض, و هداية قلوب الكثيرين إلى الله تعالى,
و ما ذلك بالأمر اليسير و لكن الله تعالى المستعان. المدرسة الحميدية: و يبتديء
دروسه في البلدة في المساجد العامة, و يأخذ في بث ما أفاضه الله تعالى عليه,
زمناً يسيراً, و لكن هل تكفي هذه الدروس؟ و هل تفي بالعلم و غايته, و هل هي كل
ما يستطاع عمله و تقديمه؟ لا, و ابتدأ يفكر في إنشاء مدرسة علمية دينية تكون
على غرار الأزهر, يدرس فيها الطلبة طيلة اليوم و شطراً من الليل , يقرر فيها ما
يقرر هناك من منقول و معقول, و يقيم في غرفتها الطلبة الناؤون عن أهلهم,
المغتربون في طلب العلم, كما يفعل المجاورون في الأزهر الشريف. كيف كان الشروع
في ذلك ؟ و كيف سمت هذه المنارة ؟.حث الشيخ رحمه الله تعالى الناس عليها و رغب
بالعمل فيها, ولما كانت الدعوة صادرة من القلب ميممة وجه باريء السموات, فقد
وجدت الأفئدة الواعية, و الأيدي الساعية في كل خير , و اجتمع الكثيرون فقدم
البعض الأرض و قدم البعض المال , و قدم آخرون العمل , كلٌ ما استطاع, و ابتدأ
تشييد المدرسة حتى بلغت ثلاثين غرفة تقريباً. و في آثار الشيخ رحمه الله تعالى
أجد رسالة وردته من العالم المفضال, صاحب الأيادي البيضاء محمد سعيد أياس رحمه
الله تعالى, و هو من بيروت الشام, يذكر فيها سماعه من بعض إخوانه بإنشاء
المدرسة , و يلتمس الطريقة التي يتمكن بها من إرسال ما لديه من مال لذلك , و قد
فعل الرجل و قدم بالإضافة إلى المال كتباً ذات قيمة جعلها للشيخ و طلبته, و إن
ذكرت هذا الرجل فلأدلل على أن إنشاء المدرسة قد ذاع صيته في البلاد , و رحب به
أهل العلم و الفضل من كل ناحية. و لم تكن المدرسة حلقة من حلقات العلم كيفما
اتفق, و لكنها كانت مدرسة بكل ما في هذه الكلمة من معنى , حصلت على ترخيص و
سماح من السلطات العثمانية آنذاك, و كان الطلبة المنتظمون فيها معفين من أداء
الخدمة العسكرية باعتبارهم طلاب علم. أما نظام التدريس و التعليم فقد كان
النظام الأزهري بعينه, المواد نفس المواد, و الكتب المقررة نفسها, و الدروس
تستمر طيلة اليوم في مختلف الفنون, أما الفارق الوحيد بين هذه و ذاك فهو أنه في
الأزهر يوجد شيوخ عديدون, كلٌ يقريء في فن و مجال, درساً أو أكثر في اليوم, أما
المدرسة فالشيخ القصاب هو الشيخ الوحيد, هو المقريء طيلة اليوم و هو المدرس و
الشارح علاوة على دروسه في المسجد بعد العصر, و دروس تعقد في البيوت , و قد
كانت كانت عادته أن يصلي الصبح ثم يقبل على المدرسة فيبدأالدروس بكتاب الله
فالحديث ثم ينتقل إلى غيرهما حتى ترتفع الشمس, عندما يعود إلى المنزل يصيب
قليلاً من طعام و راحة
التالي
|
|