| |
بسم الله الرحمن
الرحيم
شيوخه-إجازاته
و قبل أن نخلف مصر وراءنا و نتتبع الشيخ في بلده, يجدر بنا أن نذكر شيوخه و أساتذته, من تعلم على أيديهم , و أقام بين أظهرهم, و ستكون العبارات هنا في وصف هؤلاء الشيوخ هي عبارات الشيخ رحمه الله تعالى : (( أخذت أتلقى العلوم معقولها و منقولها عن العلماء الأعلام, أولهم الشيخ ابراهيم الظرو الخليلي, تلقيت عنه شرح المنهج ثم شيخنا شمس الدين الشيخ محمد الأنبابي و كان شيخ الأزهر إذ ذاك, صاحب التقارير الرائقة, و التدقيقات الفائقة, على ما كان يقرأ في الأزهر من معقول و منقول, و آخر ما كان يقرأ فيه جمع الجوامع, ما كان تحت الأديم السماء أفصح منه تقريراً للعبارة , لازمته نحواً من عشرين سنة . ثم شيخنا و أستاذنا شمس الدين أبو عبد الله الشيخ محمد الأشموني نسبة إلى أشمون بلدة من بلاد مصر, صاح الكشوفات الصادقة , و الكرامات التي هي بصدق و لايته ناطقة, كان طلق اللسان, جريء الجنان, لا يبالي بوزير و لا سلطان يقرأ درساً واحداً في مذهب الإمام الشافعي قبل الظهر و له أكلة واحدة في اليم و الليلة, يأتي الأزهر في كل يوم بعد العصر و يجلس فيه إلى أن يصلي العشاء الآخرة. رأى بعض الصالحين الإمام الشافعي في المنام يقول له: قل للشيخ محمد الأشموني يستمر على عادته في الجلوس بالأزهر إلى العشاء, و نحن وليناه القبطانيةكتب
لى اجازة أملاها علي, فكتبتها بخطي , وهو الذي اختار لي السفر مع أخي الحاج
احمد, وقال: (( ذهابك مع أخيك خير لك , فإن الأزهر تساقط زهره و قصم ظهره و لا
يرجى منه خير بعد اليوم. بلادك خير لك و الأزهر لم يبق للعلم أهلا, و أهله لا
يزدادون إلا جهلا)). و كان إذا تطور يعظم جسمه مع كونه نحيف الجسم , رأيته مرة
و أنا في مسجد سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه محمولاً بين رجلين و هو متطور
قد سد الباب لعظمه, و هو يلهج بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم شيخنا
القطب الكبير و العلم الشهير بحر العلوم الغزير أبو عبد الله سيدي محمحد عليش,
كان مالكي المذهب , مغربي الأصل , ولد في مصر , قارب سنة التسعين و هو يمص قصب
المص , و يكسر الجوز بأسنانه, ولم يختل عضو من أعضائه لحفظه لها في الصغر
فحفظها الله تعالى له في الكبر, كما حكي مثل ذلك عن أبي شجاع من أئمة مذهبنا
قرأت عليه بعض كتب الحديث , كصحيح البخاري, و الأذكار النووية, و بعض كتب
التوحيد كالسنوسية , و بعض كتب المعقول كالسمرقندية في الاستعارات, و شرحه على
إيساغوجي في المنطق. و قرأت عليه إحياء علوم الدين لحجة الإسلام الغزالي كله, و
ظهر لي منه كرامة عظيمة أثناء قراءته , و ذلك أنه كان يقرأ في جامع سيدنا
الحسين رضي الله تعالى عنه بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس كرمح. فسولت لي
نفسي أن اشتغالك بغيره في هذه المدة أولى , فأجبتها لذلك و اشتغلت بحفظ متن
المنهج, وكان يصلي الأوقات كلها في الأزهر إلا الصبح وكان يدخل الأزهر للصلاة
قبل دخول الوقت, ولا يجلس إلابعد أن يصلي ركعتي التحية , ثم إذا فرغ من صلاته
نظر أين أنا جالس فيسلم ويجلس إلي فجاء مرة و أنا أنتظر الصلاة , فصلى التحية
على عادته, و سلم علي ثم قال: يا سيدنا الشيخ فقلت : نعم يا سيدي فقال: الإحياء
حقه أن يكتب في الألواح و يحفظ , فقلت له وهو كذلك , و رجعت للقراءة عليه حتى
أتم الاحياء و لله الحمد, و قلت لنفسي كيف تقولين لا يشعر الشيخ بذلك , و كان
توهم النفس ذلك من عدم رفعه رأسه حال القراءة, فلا يجاوز بصره النسخة, وكان
خفيض الصوت, ومع ذلك يسمعه البعيد كما يسمعه القريب. وكان رضي الله تعالى عنه
آخذاً بعنان العزائم , غيوراً على الدين, و الشريعة الغراء , يأمر بالمعروف و
ينهى عن المنكر , لا تأخذه بالله لومة لائم, كريم الطبع, شريف النفس, رفيع
الهمة عن سفاسف الأمور, و حضور الولائم, يؤلف بين القلوب , و يخلو بالله وحده ,
مستغرق الأوقات بالعلوم و سائر الطاعات , حتى في الأشهر الثلاثة التي اعتاد
العلماء ترك القراءة فيها, و هي رجب و تالياه, لا يترك القراءة إلا في العيدين
و بعد العيد يومين: ما زال يحملها على مكروههــــــــــــــا حتى ركت وصفت
صفـــــــــــاء العسجد قد رام غاية ما يروم المنتهـــــــــــــي من ربه, و له
اجتهـــــــــــــــاد المبتدي و منهم: الشيخ عبد الرحمن الشربيني نسبة إلى
شربين بلدة من بلاد مصر صاحب التقارير الرائقة و التحقيقات الفائقة على السعد,
و جمع الجوامع , ومنهم الشيخ ابراهيم السقا شيخ شيخنا الأنباني و غيره, أدركته
مريضاً, تلقيت عنه حديث الأولية و رسالة الأوائل, و منهم الشيخ سالم البولاقي
نسبة إلى بولاق, قرأت عليه جمع الجوامع , كان أعمى, و كنت أسمعه الدرس الذي
يريد أن يقرأه في غد, يجلس لمطالعة الدرس بعد الظهر إلى الساعة الثالثة ليلاً
حتى يحفظ المتن و الشرح و الحاشية و التقرير, كناية عن خمس ورقات , ثم يليقه في
الدرس على الطلبة حفظاً من غير أن يخل بحرف, فكنت أتعجب من قوة حفظه و شدة
استحضاره. ومنهم: الشيخ أحمد الاجهوري, و كان أعمى, قرأت عليه حاشية الجنل على
الجلالين, كان يلقى الدرس بهمة قوية, و عزم شديد, حتى يحسر عن ذراعه و يحل
زناره, و يقلع عمامته, و يضرب الأرض بيده كأنه في ساحة حرب, و له تقرير على
السنوسية و السمرقندية و غيرهما. ومنهم : الشيخ أحمد الفيومي الرفاعي من بلاد
الصعيد, صاحب الـتآليف و التقارير الكثيرة, و الشيخ عبد الفتاح نجا, و الشيخ
أبو النجا, و الشيخ سليمان العبد
التالي
|
|