| |
بسم الله الرحمن
الرحيم
في رحاب
الازهر
و يبتدىء حياته في مصر , في رحاب الأزهر الشريف , في رواق الشام, منقطعاً إلى العلم الانقطاع التام , لا عمل له إلا التعلم, و لا شاغل له إلا حفظ المتون , و يمضي سحابة نهاره منتقلاً من درس إلى درس, و من حلقة إلى حلقة , حتى إذا هبط الليل أدى من الصلاة ما شاء الله تعالى أن يؤديه و تلا أوراده , تلك التي حفظها عن والده , و تلك التي تلقاها عن شيخه في دمشق , و بين هذه و هذه قراءة لدروس النهار , و استذكار لها, و حفظ ما يجب حفظه منها.
و العلوم في الأزهر كما كانت هاتيك الأيام , هي علوم المنقول و علوم المعقول : التوحيد- التفسير- الحديث – الفقه – التصوف – الفرائض – النحو – الصرف – البلاغة – العروض – المنطق – الحساب, و ما إليها.
و لا أحسبني في حاجة إلى شرح النظام الأزهري هذا و طريقة سير الدروس فيه. فكل ذلك معلوم و معروف. و لكن كيف كان بدء أمره في مصر؟ كيف انتظم حاله و سارت به أيامه؟ مع الجهد الذي هو فيه, و البؤس الذي يشمله, نجد كل ذلك في كلمات له وصف بها نفسه في مرحلته هذه بعد أن تقدم به العمر آب إلى وطنه, و شرع تلامذته يستفهمون, و يلحون في الاستفهام , قال الله تعالى:
(( و كان حالي في بدء أمري على أشد فقر و حاجة, أسوأ مما كنت عليه في الشام , إذ هناك يمكنني العمل و الاكتساب و هنا لا , فكان أكثر قوتي مما يلقيه المجاورون عند البحرة المعدة للوضوء , من ورق الفجل و الكرات و قشر البطيخ , و مما يتساقط من فتات الخبز اليابس عند وضعهم له في الخزانة المسماة بعرفنا ((بالخراستين)) و ذلك أن جراية الأزهر كانت مخصوصة بالآفاقيين. و أهل الريف, أي قرى مصر, كان يأتيهم الخبز و غيره من أهلهم. و كنت أفعل ذلك جنح الظلام حتى لا يشعر بي أحد من الأنام و كنت أكتم حالي جداً , و أرى إظهاره كفراً أو كالكفر , و كنت أرقد بلا غطاء و لا و طاء
التالي
|
|