| |
بسم الله الرحمن
الرحيم
إلى مصر
ويصل
إلى مسمعه حديث الأزهر ,وتفد إليه تلك الروايات عن العلم في رحابه ,والدين في
جنباته, والطاعات في محاريبه, فيترك كل ذلك في نفسه أثراً, ويترك في نفسه شوقاً,
ويترك في نفسه رغبة ,ومع الزمن, يجد في ذاته أمنية, وفي حنايا قلبه لهفة, وتشتد
تلك الأمنية, وتزداد تلك اللهفة فإذا بهما حنين متصل, وأمل يحاول التحقيق ولكن,
أين السفر: تكاليفه,وأين الإقامة في مصر؟: مصاريفها,وهو لا يملك شروى نقير؟!
فيحاول كبت الرغبة وطمس اللهفة ولكن لا تريدان براحأً ,ويأخذ كما يأخذ العاشق
الطرب والسرور بالسماع عنه , والحديث حوله, وأكثر ما يكون ممن ألم به فزاره, أو
أقام به فطال مقامه. فإذا به يلتقي بقادم هنا, وقادم هناك: كيف الأزهر سيدي؟
وكيف خلفته؟ وكيف يستقيم حال المرء فيه؟ وتتوالى الأسئلة كلما وقف أمام أحدهم,
إلى أن ورد واحد منهم, أو منتسب إليهم, ومدع, ويحدثنا الشيخ عن ذلك في الرحلة
الأزهرية فيقول: ((أزمعت الرحلة إلى مصر, فجعلت أسأل عن حال الأزهر, فذهبت إليه,
وسلمت عليه, وسألته عن حال الأزهر فقال: وماذا تصنع فيه؟ قد جاء إليك الأزهر,
انظر أي فن وأي مذهب تريد أقرأ لك. فقلت له: أنا شافعي المذهب, فأحب أن تسمع لي
درساً ((بأبي شجاع)) المسمى ((بالغية))فقال لي :هات, فقرأت حتى وصلت إلى باب
الوضوء, فقرأت((وفرائض الوضوء ستة أشياء... النية عند غسل الوجه وغسل
الوجه)).فقلت له: ذكر غسل الوجه مرتين أما تكفي إحداهما ؟فأطرق رأسه ثم قال :
أرني النسخة, فدعتها له, فجعل يتأمل فيها ويحرك رأسه ثم قال: إحداهما زائدة ,وأخذ
القلم وضرب على إحداهما بمداد الحمرة. فلما وصلت إلى السنن قرأت((ومسح جميع
الرأس)),فقلت له ذكر مسح الرأس مرتين أما تكفي إحداهما؟ فقال أرني النسخة
فدفعتها إليه فتأمل فيها وحرك رأسه ثم قال إحداهما زائدة, وأخذ القلم وضرب على
إحداهما . ثم ذهبت إلى المدرسة ونظرت في الشرح ,وتأملت العبارة, فوجدت كلتا
الكلمتين صحيحة,فلم أرجع إليه .ثم ازداد الجد في الرحلة إلى مصر,فصحبت رجلاً من
طلبة العلم,وهو االذي رغّبني في الذهب إلى مصر, فكنت أقول له عند ترغيبه لي:أنا
رجل فقير, وبلغني أن مصر غالية الأسعار لا ينتظم حالي فيها, فيقول لي: أهلي
أغنياء تجار يجرون لي في كل شهر ما يكفيني ويكفيك, وجعل يدعوني إلى بيته للعشاء
التالي
|
|