| |
بسم الله الرحمن
الرحيم
في
ديرعطية
االقرن،
هو التاسع عشر، و البلاد، بلاد الشام، و العثمانيون ما برحوا في الحكم يفعلون
ما يفعلون, يدهم الثقيلة على العنق, و ظلهم الطويل يكاد يحجب النور, و الناس جل
الناس سادرون لاهون , طرفت عينهم الدنيا و سادت مسامعهم الشهوات , و اختاروا
الفانية الباقية. و الجذوة المقدسة – تلك الشعلة التي شبت في مكة و البطاح و
حملها العرب حين اشتدت نارهم , و فاض نورها على الشام و غيرها من البلاد ,
فاهتدى بسناها الحائرون – يبدو أنها الآن ترزح تحت الرماد الكثيف , كل شيء ينم
عن الدعة , و كل مظهر يشي بالخمول . فحلقات العلم باتت خلاء , إن هي إلا كلمات
تقال بعيد الصلاة , و صلاة الجمعة على الأغلب لا تقدم ولا تؤخر ولعل قائلها ضل
سامعها . و المدارس النظامية التي ملأت الدنيا و شغلت الناس حين كانت البلاد
الإسلامية في عهودها الذهبية , أضحت اليوم أثراً بعد عين , وحديثاً يروى , و
مآثر تذكر , و رحمات على هاتيك الأيام. و اتصلت ليالي الجهل و أرخت ذوائبها على
مشرق العالم الإسلامي و مغربه , لا أكاد أستثني من ذلك إلا منائر صغيرة , و
نجوماً قليلة العدد , بقيت رغم كل الأعاصير , تدفع الظلمة المطبقة ما استطاعت
إلى ذلك سبيلاً , و بقي فيها رجال قلائل , يتناوبون حمل الشعلة الخالدة على
مسير الدهر و خطا الزمان , هذه الينابيع الصغيرة تناثرت هنا و هناك , تكبر و
تصغر , تشع و تذبل , بحسب ما يقضي الله لها من يقوم بأمرها و يحسن الإشراف
عليها . و أهمها بلا شك معين عذب لم يتطرق إليه النضوب, و لم يلم به الشح, قد
أوكل الله إليه من يحفظه على تتالي السنين و تقلبات الرياح, ذلك هو الأزهر
الشريف في كنانة الله مصر. أما بقية المدن و مدن الشام خاصة , فكان لها حظ من
ذلك يتبدل كل حين . فإذا وصلنا إلى القرى وجدناها بمعزل عن ذلك , لا تكاد
تستفيق من جهالتها , أو لا تريد أن تفيق. في هذا القرن , و في هذه الأحوال ولد
الشيخ عبد القادر القصاب في قرية من قرى القلمون , هي ديرعطية , و كانت ولادته
سنة 1264هـ. أما والده فكان الشيخ محمد ابن الحاج حسين القصاب , كان عالماً
فقيهاً, ورعاً, زاهداً يحفظ القرآن عن ظهر قلبه, حتى أفضى به إلى الكشف الصادق
, وقد كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه و سلم لا يملك عينيه عن البكاء ,
إذا ذكره, أو ذكر عنده. و أما والدته فهي السيدة فاطمة بنت الشيخ محمد بن مصطفى
القاني , كانت من الصالحات القانتات و حظها من قيام الليل الكبير , طويلة الباع
بالعطاء , طيبة النفس بالسخاء , تقريء الأولاد الفقراء بلا عوض, و ربما و استهم
من مالها
التالي
|
|